jeudi 1 décembre 2011

في الرد على منكر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

في الرد على منكر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
النتيجة الحتمية للجهل بالآيات القرآنية وإنكار المعجزات الإلهية
أ.د. نظمي خليل أبوالعطا موسى
أستاذ علوم النبات في الجامعات المصرية
عندما تفتح المصحف الشريف على أول سورة فيه تجد قول الله تعالى: (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{2}) (الفاتحة /2) و(رَبِّ الْعَالَمِينَ): أي مربيهم ومالكهم ومدبر أمورهم .(كلمات القرآن تفسير وبيان حسنين مخلوف).
ولا يقال الرب مطلقا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات نحو قوله تعالى: (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ{15}) (سبأ / 15).(مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، باب الراء).
و(رَبِّ الْعَالَمِينَ): هو المربي لجميع العالمين، وهم سوى الله (تعالى) بخلقه لهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها لم يكن لهم البقاء، فما بهم من نعمة فمنه تعالى (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبدالرحمن بن ناصر السعدي، تفسير سورة الفاتحة).
وبذلك عرفنا الله تعالى بذاته في القرآن الكريم أنه الذي خلق المخلوقات، وأنعم عليهم بالنعم العظيمة، التي من دونها لا بقاء لهم، فمن خلق الشمس التي تمد الأرض بالطاقة؟ ، ومن خلق على الأرض النبات بما فيه من بلاستيدات خضراء ويخضور أو كلوروفيل وجعله يقتنص الطاقة الشمسية ويحولها من طاقة ضوئية إلى طاقة كيميائية في الروابط بين المنتجات النباتية؟ هذه النعمة وحدها إن غابت من الأرض غابت الحياة عن الأرض، فمن أوجد هذه النعمة الكبرى غير رب العالمين سبحانه وتعالى؟ وإلى الآن لم يدع مدع من الخلق انه الذي خلق الشمس بخصائصها المعجزة، أو خلق النبات والتركيب العلمي الدقيق والمبهر للبلاستيدات الخضراء، وعمليات البناء الضوئي المعجزة والخارقة، ولكن الله سبحانه وتعالى وحده أنبأنا وأخبر بأنه رب العالمين، وأنه خالق الشمس، وخالق النبات، وبين في قرآنه الكريم العلاقة الوطيدة والعلمية بين الشجر الأخضر والطاقة الحرارية (النار) فقال تعالى في إعجاز معجز: (الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ{80}) (يس / 80).
وفي الصفحة التالية لصفحة سورة (الفاتحة) من القرآن الكريم عرف الله تعالى بكتابه القرآن فقال سبحانه: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ{2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ{3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ{4} أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{5}) (البقرة/2-5).
والهداية نوعان: هداية البيان، وهداية التوفيق، فالمتقون حصلت لهم الهدايتان وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق، وهداية البيان بدون توفيق العمل ليست هداية حقيقية (المرجع السابق تفسير سورة البقرة). وأول صفة وردت للمهتدين بالقرآن (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة/3).
والغيب: كل ما غاب عن الحاسة، وعما يغيب عن علم الإنسان بمعنى الغائب، قال: (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ{75}) (النمل/ 75).
ويقال للشيء: غيب وغائب باعتباره بالناس لا بالله تعالى، فإنه لا يغيب عنه شيء، كما لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) (الأنعام/73) أي ما يغيب عنكم وما تشهدونه، والغيب في قوله تعالى: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة/3) ما لا يقع تحت الحواس ولا تقتضيه بداهة العقول، وإنما يعلم بخبر الأنبياء عليهم السلام وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد، (مفردات ألفاظ القرآن مرجع سابق(باب غيب) ).
ويدخل في الإيمان بالغيب الإيمان بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضية والمستقبلية وأحوال الآخرة وحقائق أوصاف الله، وكيفيتها وما أخبرت به الرسل من ذلك، فيؤمنون بصفات الله ووجودها ويتيقنوها لأنه سبحانه وتعالى أخبر بها وإن لم يفهموا كيفيتها (تيسير الكريم الرحمن)، (مرجع سابق) (بداية تفسير سورة البقرة). فمن لا يؤمن بما أخبر الله تعالى به مما غاب عنا في الماضي والمستقبل، فهو غير مهتد بالقرآن، والذي ينكر الآيات الواضحات والغيب الوارد في كتاب الله دخل في الإلحاد كما قال الراغب الأصفهاني سابقا.
إذاً عندما يقول أحد الكتاب :( ولكن (وهنا مربط الفرس) من حقنا أن نطرح سؤالا مهما ونحن نناقش مسألة ربط الآيات القرآنية بمعطيات العلم ومحاولة إثبات إقرار العلم بهذه الآيات التي اندهش منها العلماء كما يدعي أصحاب الإعجاز العلمي في القرآن. والسؤال أو التساؤل هو ماذا عن الآيات القرآنية التي تتحدث عن أمور لا يمكن العلم أن يقر بها أصلا؟ منها مثلا: حكاية النبي نوح وسفينته , وحكاية النبي موسى وعصاه، وحكاية حمل السيدة العذراء مريم بالطفل هو النبي عيسى، بدون المعاشرة الجنسية، وحكاية هاروت وماروت، وحكاية يأجوج ومأجوج وحكاية الإسراء والمعراج... الخ ) (من مقال بعنوان: هل يوجد فعلا إعجاز علمي في القرآن الكريم؟ المنشور يوم السبت 14-11-2009م بصفحة الثقافي، أخبار الخليج – مملكة البحرين).
ونحن نجيب عليه فنقول : وإذا كان حق السؤال مكفولا ومشروعا فإن حق احترام معتقدات الآخرين الدينية بالذات , والتكلم عنها بالحسنى مطلوب، واختيار الكلمات اللائقة وغير الجارحة مع المرسلين واجب، فالفقرة السابقة حوت كلمات تؤلم المؤمنين، وخرجت عن آداب السؤال منها كلمة (حكاية) التي تكررت قبل كل معجزة، وكلمة (المعاشرة الجنسية).
كان يجب عليه أن يتأدب بأدب القرآن ويقول كما قال الله تعالى: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) آل عمران (47) , فالحديث عن الأنبياء والرسل والصالحين والعلماء له أسلوب غاب عن صياغة السؤال السابق.
وللإجابة عن السؤال (مربط الفرس) كما يقول الكاتب أقول وبالله التوفيق : هذه المعجزات من الغيبيات التي يؤمن بها من آمن بالقرآن، وينكرها من ألحد في آيات الله، فإن ألحد بها ملحد فهذا شأنه، لأن من لا يؤمن بالله والقرآن ويكذب بآياته لا يصعب عليه أن يشكك وينكر ويستهزئ بسفينة نوح، وعصا موسى، وولادة السيدة مريم للسيد المسيح عليهم السلام، والمعجزات خوارق لنواميس الله في الخلق يسوقها الله تعالى على يد عباده من الأنبياء والمرسلين للبيان العملي المادي لمن يراها على صدقهم، وقدرة من بعثهم سبحانه وتعالى، وأن نواميس الكون بيده سبحانه يغيرها ويبدلها متى شاء وكيف شاء لمن شاء.
السؤال عن فعل عصا سيدنا موسى، وميلاد السيد المسيح عليهما السلام والإسراء والمعراج سؤال في غير محله لأنه خارج عن نطاق البحث العلمي التجريبي، وهذه مسلمة لا تحتاج إلى سؤال. أما قول الكاتب في المقال: (إن الدين يتعامل أساسا مع عالم الغيب عالم الجن والملائكة، عالم ما بعد موت الإنسان، عالم البرزخ ويوم القيامة من القبور وعالم الجنة والنار... الخ، وهي كلها أمور لا يقر بها العلم إطلاقا فهو يتعامل مع العالم الواقعي المادي الموضوعي بكل ما فيه من أنواع وأشكال لا حصر لها ولا عد من أصغر المواد وأدقها كالذرات ومكوناتها إلى أكبر المواد وأضخمها كالكواكب والنجوم والمجرات) انتهى (من المقال السابق).
القول السابق لكاتب المقال لا ينطبق على الإسلام لأن الإسلام تعامل مع عالم الغيب وتعامل أكثر مع عالم الشهادة، عالم العلم الكوني المادي الواقعي الموضوعي بكل ما فيه من مخلوقات وتنوع وعمليات حيوية وكيميائية وفيزيائية ورياضية لا حصر لها. فالقرآن تعامل مع الشمس وبين أهميتها في أكثر من (32) آية بين فيها ماهيتها وحركتها، ونظامها الدقيق، وضوءها، وحرارتها، وربطها بالبناء الضوئي، والليل والنهار، وتسخيرها ومصيرها.
والقرآن تعامل مع الحيوان وسمى بعض سوره بأجناس الحيوان وأنواعه وسلالاته: (سورة البقرة، سورة الأنعام، سورة النحل، سورة النمل، سورة العنكبوت، سورة العلق، سورة العاديات (الخيل)، سورة الفيل). وذكر الله تعالى الخيل والبغال والحمير والنمل والنحل والهدهد والبعوضة والإبل والناقة والجياد والذئب والكلب والذباب والجراد والعنكبوت والأفاعي والحيات والأسود والجوارح والحوت واللؤلؤ والمرجان والقردة والخنازير ولغة النمل والهدهد، والقمل والضفادع والدم , وكيف يطير الطير، وضعف بيت العنكبوت، والفيل ودواب الأرض , وما تحت الثرى منها وكلها مخلوقات من عالم الشهادة، فالقول أن الدين لا يتعامل معها قول باطل، الإسلام تعامل مع العالم المادي الواقعي التجريبي الموضوعي أكثر من تعامله مع الغيب.
وفي عالم النبات تعامل القرآن مع الإنبات والنمو والاخضرار وشيخوخة الأوراق والنبات وتساقطهما وخروج الإثمار واختلاف ألوانها وطعمها، والبناء الضوئي، وتعامل مع النخل والعنب والتين والزيتون والرمان واليقطين والأثل والأب والأكمام والأعلاف والبصل والثوم والبقل والجذع والحب والنوى (وفرق بينهما تفريقا واضحا)، والخمط، والدهن والرطب واليابس والريحان والزرع والسنبلة والساق والجذر والنباتات الجارية والزاحفة (النجمية) والشجر والفسائل والعدس والعرجون والقطمير والفتيل والكافور والجنات المعروشات وغير المعروشات , وماء الري وتخطيط الحدائق والحوليات وهشيم النبات وحطام النبات وتحطيمه. وكل هذا يبين اهتمام الدين بعالم الموجودات بطريقة واضحة.
وحوى القرآن آيات عن الجبال وألوانها وفوائدها والماء وأهميته للحياة والنجوم في آيات عدة لا يتسع المقام لذكرها. أما عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم فهذه حقيقة علمية وأنا من المؤمنين بأهمية التخصص الدقيق (لا يقل عن الماجستير والدكتوراه في التخصص) عند الكتابة في الإعجاز العلمي بالذات، أما التفسير العلمي فيمكن أن يتحدث فيه حامل الدرجة العلمية الأولى (البكالوريوس والليسانس) في المجال الذي يتكلم فيه، أما الهواة وأنصاف المتعلمين والجهلاء والملحدون فلا مكان لهم في كتاب الله وتفسير آياته لأن القلب الفاسد والفكر الفاسد لابد أن ينعكس في كتابة صاحبهما ويفسدها.
وبصفتي من المختصين في عالمي النبات والكائنات الحية الدقيقة أقول هناك مئات الآيات المعجزة في القرآن الكريم في عالم النبات، وكلها تقع تحت مجال العلم التجريبي منها قول الله تعال: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ{5}) (الحج/5).
وقوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{39}) (فصلت/39).
والإعجاز في الآيتين السابقتين يقع في عملية الاهتزاز وعملية الربو وترتيبهما في الآيتين، فلو قيل (ربت واهتزت) لاختل المعنى العلمي، وتصادمت الآيات القرآنية مع الحقائق العلمية، والربط بين الماء والاهتزاز والربو وإحياء الأرض وإنبات الزوج الكريم معجزة علمية قابلة للدراسة العلمية، (وهذا ما فصلته في كتبي في مجال الإعجاز النباتي في القرآن الكريم والمنشورة على موقعي www.nazme.net).
ومن العجيب والمعجز أن الله تعالى قال بعد الآية الـ (39) السابقة من سورة (فصلت) قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) (فصلت/40).لأن علام الغيوب عندما أنزل هذه الآية علم أن هناك من بني آدم من سيلحد فيها ويكفر بها ويشكك فيها وفي إعجازها العلمي (وهذه معجزة قرآنية).
وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ{99}) (الأنعام /99).
فالماء ينزل، وهو شرط أساس للحياة والإنبات والخروج، فتخرج الكائنات الحية من مكامنها ويخرج معها النبات، الذي يخرج منه اليخضور أو الخضر، وبعد ذلك يخرج الحب المتراكب كحبوب القمح والشعير والذرة وغيرها، وتخرج الثمار المختلفة (انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ{99} ) (الأنعام/99).وهذا ما فصلناه في موقعنا .
فالمؤمنون يؤمنون بعالم الشهادة، عالم الواقع المذكور في الآية، عالم النبات والبناء الضوئي، ويؤمنون بعالم الغيب الوارد في القرآن الكريم من الملائكة والجن ومعجزات الأنبياء السابقين. فالله جعل للإيمان به طريقين: طريق الوحي وطريق العقل، الوحي للدلالة على لغيبيات والتنبيه إلى الآيات الكونية، والعقل لدراسة الآيات الكونية وما فيها من اتزان ودقة وتدبر في الخلق. والذي ينكر عالم الغيب ويحصر نفسه في عالم الشهادة والمحسوس فقط، يجد نفسه في مأزق مع علم النفس، ومسارات التفكير في العقل البشري، والحب والكره والذاكرة والتذكر، وكلها أشياء وظواهر وعمليات يصعب على العلم التجريبي الوصول إلى ماهيتها ومع ذلك يعترف العلماء بوجودها ولها مناهج في الجامعات وكليات الطب والتربية. الإعجاز العلمي في القرآن الكريم حقيقة علمية , والإشارات العلمية في القرآن الكريم حقائق قرآنية ولا تتصادم حقيقة علمية مع حقيقة قرآنية إذا اتبعنا المنهاج العلمي في التفسير وفهم الآيات، وانضبطنا بالضوابط التي وضعها العلماء لتفسير آيات القرآن الكريم .
وعلى العموم فإن التفسير عمل بشري، والمفسر بشر يخطئ ويصيب وللمجتهد المتخصص المصيب أجران والمخطئ أجر، ومعجزات الإسراء والمعراج وولادة سيدنا عيسى وعصا سيدنا موسى معجزات آنية لقوم معينين في وقت محدد ومكان محدد، أما القرآن فهو المعجزة العلمية المحسوسة الباقية، ومن استطاع تحدي القرآن والإتيان بمثله فالمجال مفتوح والتحدي قائم منذ ألف عام ونصف ألف إلا قليلا. وفي النهاية نقول: إن الإعجاز العلمي من المختصين العلميين أزعج الملحدين والشيوعيين والعلمانيين (بفتح العين) لأنه يخاطب الناس في أيامنا بلغة العلم والعصر وهذا يهدم عليهم معتقداتهم التي عاشوا فيها سنين طويلة، فهم يؤمنون بخرافة نظرية التطور، وقد تحديناهم سابقا أن يأتوا بدليل علمي واحد واضح وصريح يثبت ذلك ولم نر منهم شيئا.
وهم يؤمنون بان الحياة أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكهم إلا الدهر، ولكن للأسف تخطاهم الدهر وانهزم الإلحاد والشيوعية والعلمانية التي فشلت في تحقيق أهدافها، وعاد الناس إلى دين الله أفواجا، فلا تنزعجوا من كتاباتهم فقد بارت بضاعتهم وكسدت سوقهم وما نقراه لهم هو كتابات النزع الأخير لهم. والحمد لله رب العالمين عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم.
أ.د. نظمي خليل أبو العطا موسى
www.nazme.net

رد القُرآن و العلم علي المُلحد ستيفن هوكينغ في نفي الروح والخالق

رد القُرآن و العلم علي المُلحد ستيفن هوكينغ في نفي الروح والخالق
(ستيفن هوكينغ)
تحت عنوان (لا وجود للجنة, والحياة الآخرة قصة خرافية), نشرت السي ان ان قول عالم الفيزياء المُلحد ستيفن هوكينغ (أنا أعتبر الدماغ كجهاز كمبيوتر يتوقف عن العمل عندما تفشل مكوناته), و قال أيضا (ليس هناك من جنة أو حياة آخرة لأجهزة كمبيوتر محطمة، وهي أشبه بقصة خرافية للناس الذين يخشون من الظلام). و نشرت له أيضا السي ان ان تحت عنوان (هوكينغ يجيب على أسئلة الخلق فيزيائيا: "الله لم يخلق الكون"), قوله ( بناء على المعطيات المتاحة المتمثلة بوجود "الجاذبية"، فإن "الكون يمكنه وسيظل قادراً على خلق نفسه من العدم).

في البداية أود أن أشير إلي أن نفي الخالق و البعث من بعد الممات, ليس ظاهرة حديثة, بل قديمة قدم جُهد إبليس في دعوته مع البشر حيث علمهم أن يقولوا {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْر}الجاثية24. و سُبحان الله في هذا العالم الذي أفني عمره في علوم الدنيا, ثم يفكر و يتكلم عن الآخرة بعقل الغافل, فيضع مُقارنة جائرة بين الإنسان و الكمبيوتر, فيجعل الدماغ كالكمبيوتر يتوقف عن العمل عندما تفشل مكوناته، و يعتمد في نفيه للجنة و الحياة الآخرة علي أن جهاز الكمبيوتر المحطم ليس له جنة أو حياة آخرة, و صدق الله إذ يقول فيه و في أمثاله {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}الروم7.

(ستيفن هوكينغ يدعي أن الدماغ يتوقف عن العمل عندما تفشل مكوناته)

و لو كان عالم مُنصف لعلم أن الكمبيوتر الذي ينتهي بفشل مكوناته, صنعه إنسان ذو عقلٍ محدود و لم يأتي إلي الدُنيا صُدفة, و لقال بأن صانع الكمبيوتر و هو الأكثر تعقيداً لم يأتي إلي الدنيا صُدفة و أنه لابد له من صانع, و إذا كان الكمبيوتر عند هوكينغ لا يجد من يُعيده إلي الحياة فذلك لضعف قدرات صانعه, و لو تدبر في خلق نفسه و خلق الكون من حوله بما فيه من بديع الصُنع, لعلم قوة خالقه و لأيقن بقدرته علي إعادته من بعد فناءه, قال تعالي {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }الروم27. و إذا كان صانع الكمبيوتر يُعيد صناعة بلايين الأجهزة من الكمبيوتر بطُرق هي أيسر عليه من أول مرة صنع فيها الجهاز الأول بل و يصنع ما هو أفضل منه, و لله المثل الأعلى, فكيف بمن بدأ خلق الإنسان و خلق الكون كله بهذه القدرات الهائلة أن يعجز عن إعادة الإنسان أو الكون بذاته أو يخلق ما هو أفضل منه, قال تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} إبراهيم19.
و لو أحسن هوكينغ المقارنة بين الكمبيوتر و الإنسان, لأدرك أن الكمبيوتر بمكوناته المادية لا قيمة له بدون طاقة و برنامج تشغيل يربطه بما حوله من مُدخلات علمية, و كذا الإنسان لابد له من طاقة تحركه و تبعث فيه الحياة, و تجعله قادراً على التعرف علي ذاته و على ما حوله, و تجعله يختلف عن الحجر و الشجر و سائر الحيوان, إختلافاً شاسعاً في الإدراك و القدرات, فإذا غابت عنه تلك الطاقة غاب الإدراك, و هذا ما نشاهده في الجنين في بطن أمه في الشهور الأولى من الحمل حيث يكون كتلة لحم لا إدراك فيها, و ما نشاهده في الإنسان بعد الموت حيث يصير كتلة لحم لا إدراك فيها, و ما بينهما نجده مفعم بالحياة و الإدراك, و العقل يُحتم أن الحي يزيد عن الميت بشيء ما يهبه الحياة و الإدراك, كما أن الكمبيوتر الذي يعمل يزيد عن الذي لا يعمل بالطاقة المحركة, هذا الشيء أسماه المُلحد الوعي, و أسماه الله الروح.
و معلوم أن إدراك الكمبيوتر للمُدخلات العلمية ناتج عن برمجة سابقة من الإنسان, فهل يمكن للإنسان أن يدرك ما حوله بدون برمجة سابقة, فما تنقله لنا الحواس الخمسة ليس إلا إشارات كهربائية تنتقل من الحواس إلي العقل عبر الأعصاب فيتم التعرف عليها في العقل, فكل ما نشعر به من هذا الكون ليس إلا إشارات كهربائية بداخل الدماغ, فما الذي جعل الدماغ يتعرف علي كل ما تدركه الحواس و يُفرق بينها بدقة شديدة, فهذا كبير و هذا صغير, هذا أصفر و هذا أخضر, هذا صوت حسن و هذا سيء, هذا ناعم و هذا خشن, هذا حلو و هذا مر, و عديد من الفروق التي لا يحصيها إلا من أوجدها, فما هي الآلة التي تعمل بداخلنا لتُدرك المحسوسات بكافة اختلافاتها, ليس بعد الولادة فحسب بل و قبل الولادة أيضا, فالجنين في بطن أمه بعد نفخة الروح يشعر بنفسه فيضحك و يضع إصبعه في فمه و يحرك أعضائه, كما يشعر بغيره فيمكنه السمع و الاستجابة للأصوات و التفريق بين فرحة الأم و حزنها, فمن علمه و برمجه ليفعل كل ذلك, إذا قلنا كما يقول الملحدون إنها الطبيعة, قلنا لهم الطبيعة مفتقرة إلى من أوجدها و جعلها بهذا التعقيد الشديد والفروق الكبيرة بين مكوناتها و اختلاف طبائعها و ألوانها, ثم كيف أدركت الطبيعة أن العقل الإنساني ينبغي أن ينتبه لكل هذا الكم الرهيب من تفاصيل الكون فزودته بآلة الإدراك التي تميز بين الأشياء مع أنها لا تعدو أن تكون مجرد إشارات كهربائية تنتقل من الحواس إلي الدماغ, فالربط بين تعقيد الدنيا و تعقيد الإدراك لابد أنه أمر مُبرمج بحسابات دقيقة و ليس صدفة, و لو كان صدفة لمكنته الطبيعة من إدراك كل شيء فيها فلا يغيب عنه شيء, أو لحرمته الطبيعة من إدراك أي شيء, و لكن لأن آلة الإدراك مُبرمجة فهي تعمل في إطار مُحدد, و هكذا كل كائن حي له برمجته الخاصة التي تمكنه من إدراك أشياء معينة و تغيب عنه أشياء أخري.

(جنين في بطن أمه يضع إصبعه في فمه, فمن علمه و برمجه ليفعل ذلك)

و لو قلنا بقول هوكينغ بأن نهاية الحياة مرتبطة بتلف العقل, فمن المنطقي أن نقول بأن العقل السليم هو الذي يُعطي الحياة للجسد, فيجعل القلب ينبض و الرئة تتنفس, و بالتالي إذا قمنا بنقل هذا العقل السليم إلي جسد ميت فسوف تدب فيه الحياة. و لكن العلم يخالفك في ذلك, فهناك عُلماء يعكفون على دراسة نقل عقول أمثالك المتهالكة إلي أجساد الشباب الذين ماتوا إكلينيكياً, ظناً منهم أنهم قد يُطيلوا عُمر عقلك إلي أجلٍ غير مُسمي, و سؤالي لك يا ابن السبعين هل تبحث عن جسد ميت ليحمل عقلك, فتُحييه بالعقل من بعد الموت, أم تبحث عن جسد حي لتُحيي به عقلك؟.
و الفرق بين الاثنين كبير, فإذا كنت تبحث عن أي جسد فأجساد الأموات كثير, و لكنك تعلم أنها لن تصلح كوعاء لعقلك لأن ذلك سوف يكون بمثابة ميت زُرع بميت فلا قيمة له من دون الروح التي خرجت منه, و لهذا فأنت تبحث عن جسد حي به الروح, به قلبٌ ينبض و رئة تتنفس, و لكن عقله قد أصابه التلف لأي سبب من أسباب الهلاك, فتحتل أنت هذا الجسد بعقلك طاردا عقل صاحب الجسد إلي الخارج, و لولا ما تجده أنت و العلماء العاملين في هذا المجال من صعوبات كثيرة لكنت قد فعلتها في الحال, و هذا إقرار ضمني بمعرفتك للفرق بين الجسد الحي و الميت و أن الحي يختلف عن الميت و إلا لقبلت بأجساد الأموات لتُحييها بعقلك الذي لم يتلف بعد, و تنقذ عقلك من جسدك الذي سوف يقبل عليه الموت فينتزع منه مادة حياته التي لا تريد أن تعترف بوجودها مع أنك تبحث عنها, ثم تقول الموت هو تلف العقل, و حتى لو لم تعترف أنت بالروح التي تبحث عن أثرها دون اعتراف بوجودها أو بفضل خالقها, فيكفي أن تجارب العلماء العاملين في مجال نقل الدماغ أو الرأس تعترف بذلك.
يُعتبر د. روبرت هوايت ( ROBERT J. WHITE), من أكبر العاملين في مجال زراعة المخ أو الرأس منذ عام 1960, و في تجربة فريدة استطاع أن يحصل علي مخ قرد و يبقيه خارج الجسد حي و ذلك بالتبريد مع استخدام آلات خاصة تعمل علي وصول الدم إلي هذا المخ فما يشبه القلب الصناعي (يمكن مشاهدة هذه التجربة في فيلم وثائقي علي الرابط التالي: http://vimeo.com/groups/secondstory/videos/20230127 ), و بهذا يمكن إبقاء المخ في حالة سليمة و جاهز للنقل إلي جسد شخص آخر.

(روبرت هوايت: من أكبر الباحثين في مجال زراعة العقل أو الرأس)


(مخ قرد تم عزله حيا خارج الجسد باستخدام دورة دموية صناعية)

و هذه التجربة السابقة ترد علي هوكينغ الذي يقول بان الحياة تنتهي بتلف الدماغ, حيث مات القرد و بقي المخ سليم لم يتلف, و سؤالي لك يا هوكينغ هل تستطيع أنت و كل علماء الأرض أن تعيدوا هذا المخ السليم إلي جسد القرد الذي مات فتُعيد إليه الحياة, بالطبع مُحال, لأن د. روبرت هوايت نفسه اشترط لنقل المخ أو الرأس أن يكون الجسد المُستقبل ميت إكلينيكيا, حيث يتم الحفاظ علي كامل الجسد حي لم يتلف, من خلال أجهزة معينة تحافظ علي وصول الدم و الأكسجين و الغذاء لكل أجزاء الجسد, أي ربما يكون صاحب هذا الجسد حي و نحن لا ندري, و قصص الذين عادوا إلي الحياة بعد الموت الإكلينيكي ليست قليلة, و خلاف العلم حول الموت الإكلينيكي لم يتم حسمه حتى الآن بتجربة حقيقية تثبت أن الجسد قد غادرته الحياة للأبد. و عليه فعدم قدرة العلم علي نقل مخ سليم إلي جسد ميت يعتبر اعترافاً ضمنياً بأن المخ السليم ليس هو مفتاح الحياة كما يزعمون, و أن هناك شيء آخر يهب الحياة غير العقل السليم, و هم يبحثون عن هذا الشيء في الأجساد التي ماتت إكلينيكيا (ربما تكون حية طالما لم نثبت أنها ماتت) و هذا ما سوف نلحظه في التجارب التالية.

قام د. روبرت هوايت بتجربة فريدة نقل فيها رأس قرد إلي جسد قرد آخر, و بالطبع استخدم في التجربة قرود حية, فكانت النتيجة أن عاش جسد قرد برأس قرد آخر لبعض الوقت (يمكن مشاهدة هذه التجربة في الفيلم الوثائقي السابق), فظن د. روبرت و كثيرون غيره بأن الوعي مصدره العقل فقط و أنه لا يوجد ما يسمي بالروح, و لكن هذا الاستنتاج يخالف مبادئ العلم لأنه لم يُجب علي سؤال مهم قبل الجزم بما يقول, و السؤال هو (هل يمكن للرأس أن يعيش بعد فصله عن الجسد مع عدم نقله إلي جسد آخر؟, و هل يمكن لهذا الرأس أن يُحيي جسد قرد ميت؟). فإذا كان الرأس هو مصدر الوعي و الحياة كما يدعي أهل الإلحاد, فمعني ذلك أنه يمكن نظريا للرأس أن يعيش من دون الجسد إذا فصلناه لوحده و حافظنا علي تغذيته بالدم و الأكسجين, و لنري كيف أجاب العلم علي هذا السؤال.
(عملية نقل رأس قرد حي إلي جسد قرد حي آخر)

و في تجربة فريدة قام أحد العلماء لفصل رأس كلب عن الجسد و تغذيته بالدم من خلال مضخة قلب صناعي (يمكن مشاهدة هذه التجربة في الفيلم السابق), و قد تمكن ذلك الرأس من العيش قليلاً ثم مات, مع أن مخ الكلب سليم و تصله التغذية, و لكن يبدو أن هناك ما هو أهم من الدم و الغذاء, مما يؤكد علي أهمية الروح للحياة و ليس العقل السليم كما يزعم روبرت هوايت و هوكينغ و كل أهل الإلحاد.

(عملية فصل رأس كلب عن الجسد و تغذيته بالدم من خلال مضخة قلب صناعي)

و في تجربة أخري تؤكد علي أن الحياة ليس منشأها العقل السليم و لكن شيء خفي اسمه الروح, في أوائل عام 1908 نجح الطبيب تشارلز جوثري (Charles C. Guthrie) في زراعة رأس كلب من النوع المختلط الصغير على رقبة كلب آخر من النوع الكبير مع بقاء رأس الكلب الكبير متصلاً بجذعه ليصبح كلب ذو رأسين (يمكن مشاهدة هذه التجربة في الفيلم السابق), و الغريب أن هذه الرأس عاشت مع الكلب الآخر و تناولت الطعام, مما يدل علي أنها حصلت علي شيء آخر غير الدم و المغذيات, لقد حصلت علي مادة الحياة و الإدراك من جسد الكلب الحي, فالرأس مثلها مثل كل الأعضاء يمكن نقلها من جسد إلي آخر بشرط أن تجد الروح في انتظارها لكي تعيش, أما إذا تم فصلها كُليا عن الجسد أو نقلت إلي جسد ميت فلا قيمة لها و إن حصُلت علي الدم و الغذاء لأن هناك ما هو أهم و هو الروح. و قد تم إعادة هذه التجربة أكثر من مرة باستخدام الكلاب و الفئران و غيرها من الحيوانات الحية, و لكن حتى الآن لم يحدث أن تم زرع الرأس في جسد حيوان ميت, مما يثبت أن الرأس لا قيمة لها بدون الحياة التي في الجسد.
(زراعة رأس كلب صغير على رقبة كلب كبير ليصبح كلب ذو رأسين)

و يبدو أن ما دفع هوكينغ مؤخراً إلي قول هذه العبارة "أنا أعتبر الدماغ كجهاز كمبيوتر يتوقف عن العمل عندما تفشل مكوناته" , هو موت صاحبه العالم الكبير د. روبرت هوايت في نهاية العام 2010 دون أن ينجح في نقل رأس إنسان إلي جسد إنسان آخر, مما جعل هوكينغ يفقد الأمل في الإبقاء علي عقله في هذه الحياة و يعاني الليل قبل النهار من التفكير فيما بعد الموت, فالعقل السليم إذا افترض أنه لا يوجد شيء اسمه الروح و لا يوجد بعث من بعد الممات, ينبغي له أن يفترض أيضا و بنفس النسبة أن هناك شيء اسمه الروح و هناك بعث من بعد الممات, و إذا كان العلم قد فشل حتى الآن في نفي الروح بدليل قاطع, إلا أنه قد ظهر للعلم أن نقل الأعضاء يتطلب شرطين أساسيين, الأول سلامة العضو المنقول حتى و إن كان هذا العضو هو العقل, و الثاني وجود جسد حي يستطيع أن يهب الحياة لذلك العضو المنقول, و لا أقصد بالحياة القدرة علي تغذية العضو بالدم و الأكسجين و الغذاء, بل اقصد ما وراء ذلك من مادة الحياة التي يسميها الإسلام بالروح التي تحرك الجسد و تعطيه الإدراك.
و لذا فلو قالوا لك يا هوكينغ سوف نقطع رأسك و نحافظ عليها حية, ثم ننقلها إلي جسد شخص قد مات (موت بيولوجي يتوقف فيه القلب و النفس, و ليس إكلينيكي) لكنت حتما سترفض لأنك تعلم أن هذا الجسد لن يهبك ما في جسدك العليل من روح تُبقي عليك حيا حتى الآن. و إذا قيل لك سنقطع رأسك و نقوم بزراعته قبل أن يموت في جسد شخص حي بحيث يكون ذو رأسين و بالتالي تضمن الحياة لرأسك و عقلك لاتصالهما بجسد فيه الروح, فسوف ترفض لسبب بسيط, و هو أنك لن تستطيع السيطرة علي ذلك الجسد برأسك لأنك لا تملك اتصال عصبي بهذا الجسد كما أنك لا تملك الآن الاتصال العصبي بجسدك الحقيقي العليل, كما أنك لا تضمن أن تظل كما أنت هوكينغ فربما عاشت رأسك علي هذا الجسد الغريب كقطعة زائدة لا قيمة لها, و لهذا فأنت تفضل أن تعيش بجسدك العليل و لكنك بروح هوكينغ عالم الفيزياء و الملحد الشهير علي أن تكون مجرد زائدة لا قيمة لها علي جسد آخر.
و كون العلم لا يستطيع إمساك الروح بالدليل المادي حتي الآن لا ينفي وجود الروح, فيكفي أثرها للاستدلال عليها و إلا لما بحث العلماء عن هذا الأثر في أجساد الأحياء, و صدق الله إذ يقول {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85.
و الإقرار بوجود روح مُبرمجة للإدراك في الإنسان تختلف عن غيره من الكائنات الحية, يجعلنا نقر بأن الله هو الذي أوجد الخلق و برمجهم علي التفاعل مع الطبيعة كُلٌ بطريقته و هدايته الخاصة و لذا قال تعالي {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى }طه50, أي خلق كل مخلوق بأعضائه الخاصة, و هداه و هدي أعضائه إلي المعيشة بكيفية خاصة تتلاءم مع تكوينه الذي خلقه الله عليه, فكل مخلوق له مأكله و مشربه و طريقة تزاوجه و ما يشعر به و ما لا يشعر به, و الله هو الذي يهب الروح التي تسكن الجسد الهامد فتحوله إلي جسد حي له إدراك بذاته و بمن حوله, قال تعالي ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُون﴾ 6-9 السجدة, وتؤكد هذه الآيات على أن الله خلق آدم من طين و نسله من ماء مهين, و أن أعضاء السمع و البصر في هذا الكائن الإنساني لا قيمة لها إلا بعد نفخة الروح, فتصير الأذن سامعة لما أراد الله, و العين مبصرة لما أراد الله, فالإنسان يستخدم حواسه في تعلم كل شيء عن نفسه و ما حوله, و لكن هذه الحواس العضوية بدون الروح لا قيمة لها, و لذا فقد امتن الله علي العباد بالسمع و البصر و الفؤاد, و لم يمتن بذات الأعضاء من الأذن و العين فقال تعالي {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}النحل78, فما فائدة الأذن أو العين أو الفؤاد إذا لم ترتبط هذه الأعضاء بالروح المحركة و المدركة لكل ما تشعر به الحواس, و كما أن المرض إذا أصاب هذه الحواس ينعدم إدراكها فلا تنقل المحسوس إلي الروح, فكذا الروح إذا انعدمت فلا نشعر بالمحسوس و لو صار كهرباء في الأعصاب و الدماغ, فالروح طالما موجودة بالجسد يستمر الإدراك للموجودات فإذا خرجت من الجسد عاد كما كان لا قدرة له علي إدراك الموجودات, فالإدراك بدأ مع دخول الروح للجسد الجنيني فيدرك و هو في الرحم و ينتهي الإدراك بخروج الروح من الجسد مع بقاء الجسد بكافة أعضائه, و حتى لو حافظنا علي سلامة الجسد كما في الموت الإكلينيكي فلن يدرك الجسد شيء طالما فارقته الروح.
و سبحان الله لو أن هذا الرجل قرأ النصف الأخير من سورة الواقعة لعلم صدقا و يقينا أنها نزلت من عند الله لتخاطب عقول أمثاله, فتربط الآيات بين إنكار أصحاب الشمال للبعث من بعد الممات, و بين قدرة الله علي الخلق و علي الإحياء و بالحُجج العقلية التي ترُد علي إنكارهم, و تثبت لهم أن الله جامعهم ليوم الحساب لا محالة و بأنهم لن ينالوا بإنكارهم إلا العذاب المهين (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. َأوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ. قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. َلمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُوم. ثمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ. لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ. فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيم. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ. نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ) 47 – 57 الواقعة.
فاذا لم تصدقوا أن الله هو الذي خلقكم و هو القادر علي بعثكم فتفكروا في المني الذي تُمنون, هذا المني الحقير في نظركم, و مع ذلك فقد جعل الله فيه سبب وجودكم, و القوة على إعادة الحياة جيل من بعد جيل, فيخلُق الله بإذنه من هذا المني المهين إنسان كامل يعيش و يفكر كما تفكر و ربما أبدع ما لم تبدع أنت. هذا المني الذي لا يمثل إلا مجموعة من المركبات الكيميائية التي لا روح فيها, و مع ذلك يخرج منه كافة الأحياء من أمثالك, فكيف بعد ذلك تظن أن الله ليس بقادر علي أن يعيدك إلي الحياة بعد أن صرت تراب لا روح فيه, و قد أوجد من هذا المني الذي لا روح فيه مليارات من البشر من آدم و إلي أن تقوم الساعة لا يعلمها إلا الله, قال تعالي (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ. أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ. أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) 57 – 59 الواقعة. فهل أنت يا عدو الله قادر علي أن تخلق هذا المني من تراب الأرض و من دون خلق الله, بكل ما أوتيت من عقل و علم و آلات حديثة لها من القدرات الشيء الكثير, فإذا عجزت أنت و من خلفك عن ذلك, أتنجح الطبيعة و هي لا تعقل و لا تملك ما تملك, في أن تنتج و لو حيوان منوي واحد فيه ما فيه من القدرة علي الإيجاد, فسبحان من برأ و صور و أوجد, فأحسن كل ما أوجد.
و هذه نباتاتك التي تزرعها تشهد علي بعثك من بعد الممات, فنبتة تموت و تخلف وراءها ثمار, تُعيد قصة الآباء من بعد الممات, فمالك لا تري و لا تعقل, أم أن كثرة رؤيتك لعملية الحرث و الزراعة جعلتك تظن أنك أنت البشري قليل الحيلة هو من يستطيع الزرع, و ما أنت يا مسكين إلا مُنتظر غلبان, يضع البذرة في الأرض و علي الله الإنبات, و لولا فضل الله عليك لما نبتت بذرتك في الأرض, و لا نبتت نطفتك في أرحام الأمهات (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ. أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) 63 – 65 الواقعة.
و حتى النجوم التي أفنيت عمرك في دراستها لتعرف أصل الكون و كيف نشأ, تشهد علي إحيائك من بعد الموت, فهذه النجوم تولد كما تولد أنت و تشب كما تشب و تشتد كما يشتد عودك, ثم يصيبها الهرم كما هرمت ثم تموت, و يولد غيرها, عبر مليارات من السنوات لا يعلمها إلا الله, نجوم تعددت مواقعها و تشابهت قصصها بين مولود و ميت, فكيف تدعي أنك لست بمبعوث من بعد الموت (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) 75, 76 الواقعة.
فسُبحان من خلق الموت و جعله بين العباد قدرٌ محتوم (نحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) 60, 61 الواقعة. فالموت آتيك لا محالة {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ}الجمعة8, فإذا بلغت الروح الحلقوم و الكل ينظر إليك شفقة عليك, فهلا سألتهم أن يعيدوها إليك بدلا من البحث عنها في جسد غيرك (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ. فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) 83 – 87 الواقعة. فلماذا أيها المسكين تموت, و من أجبرك علي الموت و أنت تحب الحياة, و إذا كانت الطبيعة الباقية من حولك لمليارات السنين قد أوجدتك كما تقول فلماذا لم تهبك مثلها البقاء لدهور, أو فضلتك عن نفسها فمنحتك الخلود, لماذا الموت علي العباد كأسٌ يدور, يأخذ الكبير و الصغير, يأخذ الغني و الفقير, يأخُذ الصحيح قبل السقيم, لم يُبقي و لن يُبقي أحد, فلماذا البشر في كل شيء مختلفون إلا في الموت مُتساوون, يا أيها المسكين قل ما شئت و افعل ما شئت فأنت إلي الموت سائر شئت أم أبيت, و الديان حي لا يموت. و كما تفاوتت أحوال البشر في الدنيا تتفاوت أحوالهم في الآخرة كُلٌ بعمله, فمن أحسن الظن بالله و أيقن بلقائه كان في جنات النعيم (فأما إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ) 88, 89 الواقعة, و أما من أساء الظن بالله و نفي لقاء الله كان في جحيم لا ينقضي (و أما إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّين. فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيم. وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) 92 – 94 الواقعة.
و لكن مشكلة كُل ملحد و إن كان من أكابر العلماء هو البعد عن المنطق السليم عند مناقشة قضية وجود الخالق, فلو أنصف كعالم لوضع لفرضية وجود الله نسبة 50 %, و لفرضية عدم وجود الله 50 %, ثم يسعي لإثبات أو نفي فرضية وجود الله أولا لبساطة الاستدلال عليها, قال تعالي {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ}35 , 36 الطور, فكل مخلوق له خالق, و في غياب الخالق نجد مشكلة كبيرة لا حل لها و هي من أوجد الحدث الأول الذي تسبب في إيجاد الكون, هوكينغ يقول الجاذبية و لكن يظل السؤال الذي لا يستطيع له إجابة (و من أوجد الجاذبية؟ و من أوجد المادة التي خضعت للجاذبية؟).
و للأسف فان المُلحد يترك الفكر الايجابي و يسير وراء الفكر السلبي الذي يقول لا خالق و لا إله, مع أنه لا يوجد عليه دليل تجريبي إلا أنه يوافق أمانيهم, و لو أنصف أحدهم لما نفى وجود الخالق إلا بعد الخروج من الكون المنظور للبحث عنه, فان وجده آمن به و إن لم يجده أكد للعالم بنسبة 100% أنه لا خالق, و هذا هو ما فعله فرعون عندما أراد أن ينفي وجود اله غيره فأمر أعوانه ببناء صرح شامخ ليبحث في السموات عن إله موسي عليه السلام {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) 37 – 37 غافر, و سبحان الله في إنصاف فرعون حين أراد أن ينفي وجود الإله الذي يتكلم عنه موسي, فقال فرعون (و إني لأظنه من الكاذبين), فبني كلامه علي الظن و ليس علي اليقين, إذ التيقن من عدم وجود الله لا يكون إلا من بعد المشاهدة الكاملة لكل أرجاء الكون, و لما كانت هذه المشاهدة مستحيلة لأن العلم اثبت أن الكون المنظور أكبر بكثير من قدرات أي علم علي الوصول لحوافه البعيدة عنا, فما بالكم لو علموا أن وراء الكون المنظور أكوان لا يعلمها إلا الله, و أن كوننا المنظور و غير المنظور لا يمثل إلا حلقة في فلاة بالنسبة لكُرسي الله, و الكُرسي حلقة في فلاة بالنسبة للعرش, قال تعالي (فلا أقسم بما تبصرون. و ما لا تبصرون) 38, 39 الحاقة.
فسبحان من أوجد الوجود و جعله الدليل علي وجوده {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }الروم50, و قديماً قال الأعرابي الذي لا يملك من العلم ما يملكه هوكينغ و غيره من المُلحدين (البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على العليم الخبير), ففي كُل شيءٍ له آية تدلُ على أنه الواحدُ.

للتواصل مع الكاتب: د. محمود عبدالله إبراهيم نجا
(مدرس بكلية طب - جامعة المنصورة – مصر)
المشرف علي موقع آيات معجزات

dimanche 27 novembre 2011

الحُبُك: صور كونية تسبح لله

الحُبُك: صور كونية تسبح الله
إعداد المهندس عبد الدائم الكحيل
كاتب وداعية إسلامي ـ سوريا
طرح العلماء سؤالاً عن شكل الكون: ما هو شكل كوننا الذي نعيش فيه؟ فبعدما اكتشفوا أن مجرتنا ليست هي الوحيدة في الكون، وجدوا أن الكون مليء بالمجرات، وأن هذه المجرات تصطف على ما يشبه خيوط النسيج!
المجرة هي: تجمع من النجوم يحوي أكثر من مئة ألف مليون نجم، ومجرتنا هي مجرة درب التبانة وتحوي هذا العدد الهائل من النجوم، ولو نظرنا إلى السماء في ليلة صافية فإن معظم النجوم التي نراها تنتمي إلى هذه المجرة ولكن هذه المجرة ليست هي الوحيدة في الكون إنما هنالك أكثر من أربع مئة ألف مليون مجرة!
هذه المجرات تتوضّع كما كان يعتقد العلماء عشوائياً يعني ظل الاعتقاد السائد أنها تتوضع عشوائياً وليس هناك أي نظام يربط بينها، ولكن في العام الماضي قام علماء من الولايات المتحدة الأمريكية ومن كندا ومن ألمانيا بأضخم عملية حاسوبية على الإطلاق كان الهدف من هذه العملية معرفة شكل الكون ولكن هذه المهمة تطلبت تصميم كمبيوتر عملاق هو السوبر كمبيوتر.
السوبر كمبيوتر هو جهاز كمبيوتر عملاق يزن أكثر من مائة ألف كيلو غرام وهذا الجهاز يحتاج إلى مبنى ضخم وتكاليف باهظة والعجيب أن سرعة هذا الجهاز في معالجة المعلومات أو البيانات أنه ينجز في ثانية واحدة ما تنجزه الحاسبات الرقمية العادية في عشرة مليون سنة، فتأملوا معي ضخامة هذا الجهاز الذي سموه العلماء بـ (سوبر كمبيوتر).
لقد أدخل العلماء عدداَ ضخماً من البيانات حول هذا الكون فأدخلوا بياناتٍ حول أكثر من عشرة آلاف مليون مجرة وبيانات حول الدخان الكوني وبيانات حول المادة المظلمة في الكون وبقي هذا الكمبيوتر العملاق وعلى الرغم من سرعته الفائقة بقي شهراً كاملاً في معالجة هذه البيانات وكانت الصورة التي رسمها للكون تشبه تماماً نسيج العنكبوت.
إن الذي يتأمل هذه الصورة وما فيها من نسيج محكم يلاحظ على الفور أن المجرات لا تتوضع عشوائياً إنما تصطف على خيوط طويلة ودقيقة ويبلغ طول الخيط الواحد مئات الملايين من السنوات الضوئية، عندما رأى العلماء هذه الصورة أدركوا على الفور وجود نسيج محكم في السماء فأطلقوا مصطلح (النسيج الكوني). بدأ العلماء بعد ذلك بدراسة تفاصيل هذا النسيج وبدؤوا يصدرون أبحاثاً ومقالاتٍ حول هذا النسيج ومن أهمها مقالة بعنوان(كيف حُبِكَت الخيوط في النسيج الكوني) وقد لفت انتباهي في هذا البحث أن هؤلاء العلماء يستخدمون الكلمة القرآنية ذاتها يستخدمون كلمة Weave باللغة الإنكليزية وهي تماماً تعني حبك، وأدركت مباشرة أن هذه الآية تصوّر لنا تماماً هذا النسيج في قوله تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ).
يقول الإمام الزمخشري رحمه الله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ: إذا أجاد الحائك الحياكة قالوا ما أحسن حبكه).
إذاً الإمام الزمخشري تحدث عن نسيج تم حبكه بإحكام. والإمام القرطبي تناول هذه الآية أيضاً وقال فيها: (ألم تر إلى النساج إذا نسج الثوب فأجاد نسجه يقال منه حبَك الثوب يَحبِكُه حَبكاً أي: أجاد نسجه)، ولكن الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى له تفسير جميل وعجيب ويطابق مئة بالمئة ما يقوله اليوم علماء الغرب! فالإمام ابن كثير يقول: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) أي: حُبكت بالنجوم، ولو تأملنا المقالات الصادرة حديثاً عن هذا النسيج نلاحظ أن العلماء يقولون: إن الكون حُبك بالمجرات.
تحدث العلماء عن هذا النسيج طويلاً، ووجدوا بأن هذا النسيج هو نسيج مُحكم لأننا إذا تأملنا صورة النسيج الكوني نلاحظ أن لدينا كل خيط تتوضع عليه آلاف المجرات ولا ننسَ أن كل مجرة فيها مائة ألف مليون نجم وهي تبدو في هذه الصورة كنقطة صغيرة لا تكاد ترى فالنقاط الصغيرة في هذه الصورة النقاط المضيئة هي مجرات، ونلاحظ أن هذه المجرات تصطف على خيوطٍ دقيقة جداً وكل خيط يبلغ طوله ملايين بل مئات الملايين من السنوات الضوئية والسنة الضوئية!!
إن هذا النسيج يتحدث عنه علماء الغرب بقولهم إن خيوطه قد شُدّت بإحكام مذهل أي أنه نسيج وأنه محكم وهو أيضاً متعدد، يعني هذا النسيج الكوني لا يتألف من طبقة واحدة، إنما هنالك طبقات بعضها فوق بعض ولو تأملنا الصور التي رسمها السوبر كمبيوتر لهذا النسيج وما فيه من تعقيد وإحكام مُبهر نلاحظ أن الله تبارك وتعالى قد أحكم صناعة هذا النسيج بشكل يدلّ على أنه عز وجل قد أتقن كل شيء، كيف لا وهو القائل: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) [النمل: 88].
السنة الضوئية: هي ما يقطعه الضوء في سنة كاملة، فالضوء يسير بسرعة تبلغ ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة، ففي سنة كاملة يقطع مسافة تساوي: سنة ضوئية واحدة. إن مجرتنا والتي تحوي أكثر من مائة ألف مليون نجم يبلغ قطرها أو طولها مائة ألف سنة ضوئية أي أن الضوء يحتاج حتى يقطع مجرتنا من حافتها إلى حافتها مائة ألف سنة كاملة، فتأملوا كم يحتاج الضوء ليقطع الكون من حافته إلى حافته والعلماء يقدرون حجم هذا الكون بحدود ثلاثين ألف مليون سنة ضوئية، طبعاً هذا الكون المرئي وما بعد هذا الكون لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى.
لو تأملنا كلمة (الحُبُك) نلاحظ أنها تتضمن عدة معانٍ: الشد، والإحكام، والنسيج، وأيضاً تتضمن معاني الجمع لأن كلمة الحبك جاءت بالجمع وليست بالمفرد، يعني الله تبارك وتعالى لم يقل (والسماء ذات الحبيكة الواحدة) بل قال (الحُبُك) وكلمة الحبك هي جمع لكلمة (حبيكة) ولذلك فإن الله تبارك وتعالى قد جمع في كلمة واحدة عدة معانٍ لهذا النسيج، فالنسيج قد يكون محكماً أو هزيلاً وقد يكون قوياً وقد يكون ضعيفاً وقد يكون مفككاً أو مترابطاً، ولكن كلمة (الحبك) تعني النسيج المحكم، و(حَبك) تعني أنه أتقن وأحكم صناعة هذا النسيج وهذا ما يقوله العلماء اليوم يؤكدون أن النسيج الكوني ليس نسيجاً عادياً، إنما هو نسيج محكم وقد شُدّت خيوطه بإحكام.
ومن هنا نستطيع أن نستنج أن الله تبارك وتعالى قد أودع في كل كلمة من كلمات كتابه معجزة مبهرة، ففي كلمة واحدة هي كلمة (الحُبُك) تتجلى أمامنا معجزة عظيمة، هذه المعجزة العظيمة تتضح أمامنا من خلال أن الله تبارك وتعالى عبّر بكلمة واحدة عن حقيقة هذا النسيج، بينما العلماء يستخدمون كلماتٍ متعددة حتى يصلوا إلى النتيجة ذاتها.
من الأشياء الغريبة التي لاحظتها أننا لو جئنا بمقطع من دماغ إنسان مثلاً وقمنا بتكبير خلايا الدماغ العصبية نلاحظ أن الصورة الناتجة صورة نسيج الدماغ تشبه تماماً صورة النسيج وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن الخالق واحد: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) [الزمر: 62].
لماذا ذكر الله تبارك وتعالى هذه الحقيقة في كتابه المجيد؟!
نعلم أن علماء اليوم يندفعون باتجاه اكتشاف أسرار الكون ودافعهم في ذلك حب الفضول وحب المعرفة، ولكن القرآن لا نجد آية واحدة إلا ومن وراءها هدف عظيم. فلو تأملنا سلسلة الآيات في قوله تعالى: { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) [ الذاريات: 7-9] والإفك هو الكذب، أي أن هؤلاء الذين يفترون على الله كذباً ويقولون إن هذا القرآن ليس من عند الله إنما كلامهم مضطرب ولا يستقيم أبداً، ولو تأملنا سلسلة الآيات نلاحظ أن الله تبارك وتعالى يقول بعد ذلك: (وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) [الذاريات: 20-23].
وهنا نصل إلى الهدف من هذه الحقيقة الكونية: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)، أي: أيها الملحدون المشككون بكتاب الله تبارك وتعالى كما أنكم لا تشكون أبداً في رؤيتكم لهذا النسيج المحكم، وكما أنكم لا تشكُّون في أنكم تنطقون، كذلك ينبغي أن تدركوا وتتأكدوا أن هذا الكلام هو كلام الله تبارك وتعالى، لأنه لا يمكن لبشر أن يتنبأ بالبنية النسيجية للكون قبل أربعة عشر قرناً.
ــــــــــــ
بقلم عبد الدائم الكحيل
www.kaheel7.com/ar

المراجع :
[1] E Papantonopoulos, The Physics of the Early Universe, Springer,2005.
[2] Volker Springel, Professor Carlos Frenk, Professor Simon White, Millennium Simulation – the largest ever model of the Universe, University of Durham, 2005.
[3] Matts Roos, Introduction to Cosmology, John Wiley and Sons, 2003.
[4] Robert Sanders, "Dark matter" forms dense clumps in ghost universe, University of California, 05 November 2003.
[5] Michael Rowan-Robinson, Cosmology, Oxford University Press, 1996.
[6] Malcolm S. Longair, The Cosmic Century, Cambridge University Press, 2006.
[7] Klapdor-Kleingrothaus, Dark Matter in Astro- And Particle Physics, Springer, 2003.
[8] Neil J C Spooner, Vitaly Kudryavtsev, The Identification of Dark Matter, World Scientific, 2001.
[9] The Age of the Universe, Dark Matter, and Structure Formation, Colloquium on the Age of the Universe St, National Academies Press, 1998.
[10] N Katherine Hayles, Cosmic Web, Cornell University Press, 1984.
[11] Robert A. Simcoe, The Cosmic Web, Americanscientist, Volume: 92 Number: 1 Page: 30, 1.30. 2004.
[12] Maggie McKee, Washington DC, Mini-galaxies may reveal dark matter stream, New Scientist, 12 January 2006.
[13] David Wands, A brief history of cosmology, www-history.mcs.st-andrews.ac.uk, March 1997.
[14] Our own Galaxy - the Milky Way, University of Cambridge, www.cam.ac.uk.
[15] BBC News Onlin, Supercomputer to simulate bomb tests, news.bbc.co.uk, 30 June, 2000.
[16] Palle Møller, Johan Fynbo, Bjarne Thomsen, A Glimpse of the Very Early Universal Web, European Southern Observatory, 18 May 2001.
[17] Tim Radford, A duplicate universe, trapped in a computer, www.guardian.co.uk, June 2, 2005.
[18] Biggest ever cosmos simulation, news.bbc.co.uk, 1 June, 2005.
[19] Heather Hasan, How Mathematical Models, Computer Simulations and Exploration Can Be Used To Study The Universe, p134, The Rosen Publishing Group, 2005.
[20] Manolis Plionis, Spiros Cotsakis, Modern Theoretical and Observational Cosmology, Springer, 2002.
[21] J. Richard Bond, Lev Kofman & Dmitry Pogosyan, How filaments of galaxies are woven into the cosmic web, Nature 380, 603 - 606 ,18 April 1996.
[22] Gemini, Subaru & Keck, Discover large-scale funneling of matter onto a massive distant galaxy cluster, www.gemini.edu, 30 June 2004.

samedi 26 novembre 2011

بَدْء الخَلِيقَة حَقِيقَة أَفْحَمَت المُكَابِرِين

بَدْء الخَلِيقَة حَقِيقَة أَفْحَمَت المُكَابِرِين

هل يُمكن أن تعتقد حقًا أن هذه الحجرة المُرَتَّبَة الأثاث
هي التي قامت بتنظيمه؛ أو أنه قد رتَّب نفسه صدفة
!.
د. محمد دودح
المستشار العلمي بالهيئة العالمية
للإعجاز العلمي في القرآن والسنة
mdoudah@hotmail.com

 
منذ القدم كان هذا الكون العجيب محط تساؤل الإنسان وفضوله؛ وتردد السؤال: هل صنعت الكون حقًّا مصادفة؟, ودافع المؤمنون بالأدلة العقلية أن الوجود لا يمكن أن يصنع ذاته وإنما يشهد بضرورة المُبدع القدير، وظل الملحدون يُرَدِّدُون مقولة الدهريين بلا أثرة من منطق أو علم أن المادة أزلية؛ موجودة هكذا أبد الدهر, والطبيعة تجدد أشكالها بذاتها, ويكشف القرآن الكريم الأساس الواهي لزعم الدهريين في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ الجاثية: 24, وذكر المتقي المكي في مناقب أبي حنيفة (ص51) مناظرة جرت بين الإمام أبي حنيفة وجماعة من الدهريين الملحدين؛ ونقلت كحكاية وعظية مفادها انتظارهم على شاطئ دجلة بحضور السلطان والحاشية لمجيئه من الشاطئ المقابل ليحاورهم, وبرر تأخره باجتماع بعض ألواح ثبتتها مطرقة بالمسامير بلا طارق وكونت قاربًا من ذاتها؛ اعتلاه وقدم إليهم, فاتهموه بالجنون, فأقام الحجة عليهم بقوله: "كيف تُنْكِرُون صنع قارب بدون صانع ثم تقبلون أن تكون سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج من صنع العبث والوهم والمصادفة!"‏.
وقد جاءت الكشوف العلمية في كل مجالات العلوم شاهدةً للقرآن الكريم بالسبق, وأحدث اكتشاف قد نال أصحابه جائزة نوبل في الفيزياء لهذا العام 2011, وهو يعلن أن الكون على مستوى المجرات البعيدة يبدو في توسع يتسارع مع الابتعاد مما يؤكد أن له ابتداء؛ يعني لحظة خلق, وهو ما أعلنته مسبقا نظرية الانفجار الكبير Big Bang وأكده الاكتشاف الجديد باستخدام وسائل أحدث, وقد أسقط علم الفلك فرضيات الإلحاد التي شاعت في القرن التاسع عشر, وصدمت نظرية الانفجار الكبير الإلحاد بتأكيدها أن للكون ابتداء يُعلن بضرورة الخالق كحقيقة يشهد بها كل الخلق, وأيدت الفيزياء علم الفلك أن في الكون منذ البداية إبداعًا يفوق الوصف وتوازنًا يهز الوجدان وتصميم وتخطيط بإتقان يفوق الخيال لا يمكن أن تصنعه مصادفة, ورغم النزوع الإلحادي اضطر الفيزيائي ستيفن هوكنج إلى الاعتراف في كتابه (تاريخ موجز للزمن) دافعًا الفوضى بقوله (ص 140): ليس كل تاريخ العلم إلا التحقق التدريجي من أن الأحداث لم تقع بطريقة اعتباطية بل تعكس ترتيب ونظام ضمني أكيد"؛ وطعن في الإلحاد بقوله (ص 122): "طالما أن للكون بداية فحتما لا بد من خالق", وبالمثل دفع إتقان التصميم في الكون الفيزيائي روس في كتاب (الكون والخالق) إلى الاعتراف أيضًا بقوله صريحًا (ص 123): "عندما أبحث عن إلحادي لأناقشه أذهب إلى قسم الفلسفة في الجامعة؛ لأنه لم يبق في علم الفيزياء Physics شيء يدل عليه".

 
ثلاثة باحثين نالوا جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2011
لتأكيدهم توسع الكون وتباعده مما يقطع بأن له ابتداء
.
وبالمثل قال ألفريد هويل: "تقول نظرية الانفجار الكبير بأن الكون نشأ نتيجة انفجار كبير، ونحن نعلم أن كل انفجار يبعثر المادة دون نظام، ولكن الانفجار الكبير عمل العكس، إذ عمل على جمع المادة وفق تصميم وقدرة فريدة لتشكيل المجرات والنجوم والتوابع ونشأة الإنسان على هذه الأرض"، وقال جورج كرنشتاين: "كلما دقَّقنا في الأدلة التي يقدمها الكون المفتوح الصفحات أمامنا واجهتنا على الدوام الحقيقة نفسها، وهي أن هناك قدرة إلهية خلف بدء الخلق وكافة الأحداث"، وقد كتب السير فِرِيِد هويل Sir Fred Hoyle في مقالة نشرت عام 1981 أن: "احتمال الصدفة في ظهور الوجود بتوجيه رشيد يقارن بفرصة قيام سيل يمر بساحة خردة لتتجمع طائرة بوينج 747 صالحة للطيران", والنتيجة التي يقود إليها العلم والمنطق وليس الإيمان فحسب هي أن كل الوجود قد جاء بتخطيط واعي وقصد أكيد, ومن يظل معتقدًا في عصرنا بالفلسفة المادية بعدما دحضها العلم في كل المجالات العلمية عليه ألا يحسب نفسه من المحققين, قال ماكس بلانك: "ينبغي على كل من يدرس العلم بجدية أن يقرأ العبارة الآتية على باب محراب العلم: تَحلَّى بالإيمان", وقال الدكتور مايكل بيهي: "على مدى الأربعين سنة الماضية اكتشف علوم الحياة أسرار الخلية، واستلزم ذلك من عشرات الآلاف من الأشخاص تكريس أفضل سنوات حياتهم, وتجسَّدت نتيجة كل هذه الجهود المتراكمة لدراسة الخلية في صرخة عالية تقول: التصميم المُوَجَّه الرشيد Directed Design Rationally؛ وهو يؤدي حتماً إلى التسليم بوجود الخالق المُبدع", وقد وصف تشاندرا كراماسنغي الحقيقة بقوله: "تعرض دماغي لعملية غسيل هائلة كي أعتقدَ أن العلوم لا يمكن أن تتوافق مع أي نوع من أنواع الخلق المقصود, (ولكني الآن) لا أستطيع أن أجد أية حجة يقبلها العقل تستطيع الوقوف أمام دلائل قدرة الخالق حولنا؛ الآن ندرك أن الإجابة المنطقية الوحيدة لظهور الوجود هي الخلق وليس الخبط العشوائي غير المقصود", وهذا ما يُعلنه القرآن الكريم بجلاء: "سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ. الّذِي خَلَقَ فَسَوّىَ. وَالّذِي قَدّرَ فَهَدَىَ" الأعلى 1-3.
كل انفجار يبعثر المادة دون نظام؛ فكيف انتظمت عوالم
النجوم والمجرات بلا إرادة واعية وسبق تقدير وقصد
!.
وقد تجمع اليوم من الأدلة العلمية ما يكفي للقطع بخلق الكون منذ عدة مليارات من السنين، وأن سرمدية المادة وهم، والدليل العلمي يدفعه، وتلاشت الآن تماماً فرضية الكون الأزلي Steady State Theory التي تقول بأن الكون لا مولد له، أي: أنه لا نهائي في الزمان والمكان، رغم أنها كانت هي النظرية المقبولة في الأوساط العلمية حتى منتصف القرن العشرين, ومقتضى الاكتشاف الجديد تأكيد معاينة الآفاق الكبرى للكون في انحسار وتباعد, ومع التباعد تتزايد سرعة الانحسار مثل بالون رُسمت عليه المجرات كنقاط تتباعد مع نفخ البالون, وطالما أن الكون يبدو في توسع فبالعودة للماضي يكون له ابتداء كانفجار توسعت أطرافه له نقطة ابتداء؛ من هنا كانت التسمية بالانفجار الكبير, ولكن التوسعة كانت حين البناء, ومع اكتمال بناء طوابق البيت لا يصح القول بأن الارتفاع والتوسع دائم بلا نهاية؛ فهو أشبه بنفي البداية, والضوء الذي تُصدره المجرات البعيدة محدود السرعة ولذا لا نُعاين من الكون سوى الماضي, وما يبدو من تباعد إنما هو قراءة للماضي البعيد, ولا يمكن لأحد غير الله تعالى معرفة الأحداث الآنية, والمُنزلق إذن قراءة الاكتشاف الجديد على أنه توسع بلا نهاية؛ فهو أقرب لتحايل الإلحاد بالقول بسرمدية الكون ونفي البداية تشكيكًا بحتمية الخالق, وإلاَّ فإن الطرف الأقرب من الكون يُمكننا أن نستطلع فيه مجيء دلائل ارتداد الكون واقتراب النهاية؛ وكمثال تُرصد المَجَرَّة الأقرب مقتربة بسرعة 300 كم\ثانية بخلاف الطرف الأبعد, وإذا كان الطرف البعيد يعاني مما يعانيه الطرف الأقرب ولم تصلنا بعد شواهد اقترابه لبعده الشديد؛ فإن الكون فعلا في ارتداد, والنهاية في اقتراب تمضي بأقصى سرعة مقدرة للانتقال وتأتي بغتة؛ سبقتها شواهد الارتداد لتطوى صفحة الكون المُشَاهد.

بدء الخلق حقيقة علمية أفحمت المكابرين.
وتُقاس الأبعاد فلكيًّا بوحدة الزمن المناسبة وأقصى سرعة للانتقال؛ وهي حوالي 300 ألف كم, فنقول يبعد القمر حوالي ثانية ضوئية؛ أي المسافة التي يقطعها الضوء في ثانية, وتبعد الشمس ثمان دقائق ضوئية, وأقرب نجم Alpha Centauri يبعد 4.37 سنة ضوئية, فلا نشاهد أي حدث كوني إذن إلا بعد وقوعه بفترة تتناسب مع بعده عنا, وما نعاينه في الكون من تباعد المجرات البعيدة إنما هو قراءة لحدث وقع في الماضي وليس قراءة لحدث آني, وفي قوله تعالى: "أَتَىَ أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ" النحل 1؛ إعلان صريح بقدوم قوى الدمار وإن لم تصل بعد تسري بأقصى حد مُقَدَّر للسرعة في الخلاء, وهو يزيد قليلا عن سرعة لمح ضوء يُبْصَر في جو الأرض, والحدث الآني إذن محجوب ولا يعلمه سوى المُبدع القدير, يقول العلي القدير: "وَلِلّهِ غَيْبُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَآ أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" النحل 77.
والقرآن الكريم يؤكد على قرب ساعة الدمار والخراب وموعد الحساب؛ قال تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) الأنبياء 1, وقال تعالى: )َزِفَتْ الْآزِفَة) النجم 57, وقال تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) محمد 18, وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنّكَ حَفِيّ عَنْهَا قُلْ إِنّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ) الأعراف 187، قال ابن كثير (رحمه الله تعالى): "(وفي كل هذا) يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها كما قال تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوه) النحل 1", ومن الدقة إذن القول بأن الكون على مستوى المجرات البعيدة يبدو للراصد في تباعد وحاله آنيا محجوب, وبدء الخليقة حقيقة علمية قضت للأبد على وهم أزلية المادة وسرمدية الكون؛ وكشفت زيف الإلحاد فطواه الزمن.
 
بدء الخليقة حقيقة علمية قضت للأبد على وهم أزلية المادة وسرمدية الكون.
ولا يفوت المُتَأَمِّل أن التعبير عن التوسع برفع السماء جاء بصيغة الماضي لفعل (الرفع) بلا استثناء؛ مما يقصر التوسع على وقت البناء ويعارض التوهم بالاستمرار بلا نهاية, يقول تعالى: (أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ" الغاشية 17و18، ويقول تعالى: (وَالسّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) الرحمن 7، ويقول تعالى:( اللّهُ الّذِي رَفَعَ السّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) الرعد 2، وجاء التعبير عن الرفع بلفظ الخلق بالماضي بيانا لتكامل البناء في قوله تعالى: (خَلَقَ السّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) لقمان 10، إنه إذن عمل كامل والبناء تام التشييد, والسماء اليوم مرفوعة ومترابطة الأركان, وقد ورد بيان خلقها بالماضي بفعل (البناء) كذلك بلا استثناء, يقول تعالى: ( أَفَلَمْ يَنظُرُوَاْ إِلَى السّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا) ق 6، ويقول تعالى: (وَالسّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا) الشمس 5، وفي قوله تعالى: (وَالسّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُون) الذاريات 47؛ فعل (البناء) بالماضي يفيد التكامل, والصيغة (مُوسِعُونَ) من السعة في القدرة, وهي غير الصيغة (مُوَسِّعُون) من التوسعة في الحيز؛ أي نوسعها دومًا, وقوله تعالى (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ) البقرة 236؛ يُرَجِّح أن لفظ (مُوسِعُونَ) أي قادرون على إعادتها كما هو قول جمهور المفسرين مصداقًا لقوله تعالى( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) الأنبياء 104, قال ابن عباس (رضي الله تعالى عنهما): "(وإنا لموسعون): لقادرون", وقال مجاهد: "معناه يسع قدرتنا أن تخلق سماء مثلها", وقال الرازي: "وبناء السماء دليل على القدرة على خلق الأجسام ثانيا", وفي تفسير قوله تعالى: (أَأَنتُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَمِ السّمَآءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوّاهَا) النازعات 27و28؛ تعبير رفع السمك بالماضي يعني التوسع في مرحلة التكوين قبل أن يستقر الكون ويكتمل البناء, قال ابن كثير: "قوله تعالى (بناها) فسره بقوله (رفع سمكها فسواها) أي جعلها عالية البناء.. مكللة بالكواكب (والنجوم)", وقال الرازي: "المراد برفع سمكها شدة علوها", وقال السيوطي: "رفع بنيانها", وقال أبو السعود: "رفع سمكها.. أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض.. مديدًا", وقال الألوسي: "فالمعنى جعل ثخنها مرتفعا في جهة العلو", فتأمل الدقة في التعبير عن قضايا تتعلق بالكون الكبير تفوق أفق المعرفة في بيئة التنزيل؛ وبتلطف لا يلفت عن الغرض!, ويكفي القرآن الكريم لفت النظر إلى شواهد بدء الخلق على مستوى الكون الكبير ليستبين الفطين قدرة الخالق, قال تعالي: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ 29 العنكبوت: 20, ويكفي إعلان القرآن عن خفايا التكوين قبل أن يدركها بشر كدليل حاسم على التنزيل, وهكذا يجد المُتَأَمِّل في الكتاب الكريم من المضامين ما يسبق بكشف قصة الخلق على مستوى آفاق التكوين على نحو يتفق تمامًا مع الكشوف العلمية مصداقًا لوعد أكَّده القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فصلت: 53.
رسم يوضح بدأ الكون بعد الانفجار العظيم الذي يعتبر بداية الكون
وعندما يكون مصدر موجة صوتية أو ضوئية مقتربًا تتضاغط أمامه الموجات ويتزايد ترددها بينما تتخلخل إذا كان مبتعداً, ويُعرف هذا بتأثير دوبلر Doppler Effect, وبرصد انحراف خطوط الطيف نحو الجانب الأحمر Red Shift اكتشف إدوين هابل Edwin Hubble عام 1929 أن المجرات العظمى تبدو في تباعد تتزايد سرعته مع البعد بمعدل ثابت سُمِّيَ بثابت هابل Hubble Constant, ومع بلوغ سرعة التباعد قيمة سرعة الضوء لا يُشاهد الضوء القادم ويَتَعَيَّن حد الكون المُمْكِن الرَّصد؛ وبالتالي يُمكن تقدير عمر الكون وفق قانون هابل (عمر الكون = {سرعة الضوء × مليون} \ثابت هابل), وباعتبار ترواح قيمة ثابت هابل بين 30 و20 كم\ثانية يكون عمر الكون في حدود 10 إلى 15 بليون سنة, وفي عام 2001 قَدَّر تشارليس بينيت Charles Bennett للكون العمر: 13.75 بليون سنة, ومن العجيب أن تُستنتج نفس القيمة تمامًا إذا اعتبرت أيام الخلق الستة في القرآن الكريم تمثيل لمراحل متطاولة يُمكن تقسيمها لمراحل ثلاث كل مرحلة تُمَثَّل بيومين, وأن العمر الجيولوجي للأرض 4.75 (4.5 - 5) بليون سنة, واكتمالها منذ حوالي 0.25 بليون سنة؛ فيكون بدء الخلق منذ: 13.75 بليون سنة, بينما استنتج الأسقف جيمس أوشرJames Ussher (1581-1656) من الأسفار أن بدء خلق العالم ليلة الأحد 23 أكتوبر عام 4004 ق.م, واختار القس لايتفوت Lightfoot (1602- 1675) عام 3929 ق.م؛ أي بعد نشأة الحضارة بقرون.
وخلاصة القول أنه منذ إعلان هابل Hubble عام 1929 أن المجرات العظمى تبدو في تباعد يتناسب تسارعه مع البعد؛ تأكد أن الكون كان مكدَّسًا في حيز ضئيل ذو حرارة هائلة ليس لها في الكون الحالي مثيل، وتأيد بدء الخلق باكتشاف بنزياس وولسن عام 1973 لإشعاع يتناسب مع شدَّة الحرارة عند الابتداء سموه الخلفية الإشعاعية Background Radiation, وجاء الكشف العلمي الجديد مؤيدًا لبدء الخلق, وحينئذ لم تكن قد وُجِدَت بعد تنوُّعَات؛ لا جسيم ولا ذرة ولا مجرة، لم يكن سوى حركة جسيمات أولية في عجل؛ اهتزاز في الخلاء بأقصى سرعة، فسموها حالة التفردSingularity ، ولك أن تتساءل مذهولاً: أي قدرة مُفزعة خَلَقَت في نهاية المطاف من عَجَل إنسانًا؛ حيث لا أجسام عند الابتداء سوى العَجَل!، وأي رهبة تأخذك عندما يُخبرك المُبدع القدير بالنبأ؛ قال تعالى: "خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ" الأنبياء 37.

المراجع:
• المكتبة الشاملة (آلاف المراجع الإسلامية).
• الموسوعة البريطانية وموسوعة إنكارتا.
• الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنت).

mercredi 23 novembre 2011

زوجي ... لا يُغضب آنساته

زوجي ... لا يُغضب آنســـــــــــاته

إبنتنا مجد ذات الستة أعوام ترغبُ كزميلاتها المشاركة في إحتفالية تقيمها المدرسة بمناسبة عيد الإستقلال، لكن زوجي رفض مشاركتها! لذا زعلت مجد ... وفي نفس اليوم عاد زوجي على غير عادته مبكراً من المكتب:
- أهلا ... أراك عُدت مبكراً على غير عادتك ... هل أنت مرهق أم أنك تعاني من ألم ما ؟
- لا هذا ولا ذاك ولكن أين مجد؟ مجد ... أين أنت يا مجد؟ أنائمة هي ؟
- لا ابداً .... هاهي
- نعم بابا ...
- إعتقدتُ إنك نائمة ... الحمد الله أنك لم تفعلي ... لقد عُدتُ مُبكِراً خوفاً من أن أجِدكِ نائمة
- لا.. يا بابا ... لِما أنام مبكرة ... فأنا لن أذهب غداً للإحتفالية ...؟
- نعم .. تعالي حبيبة ... تعالي إلى بابا ... هل أنتِ غاضبة مني لأنني منعتكِ من الذهاب؟
- خلاص يا بابا ... مادمت لاتريد لي المشاركة .. خلاص
- ولكن حبيبتي ألم تتسآءلي لِما منعك البابا من المشاركة؟
- لا ... لِما يا بابا؟
- إسمعيني جيداً حبيبة .... فيما مضى أعطاني الله سبحانه وتعالى وردة ... فرحتُ بها كثيراً .. لكنها مع بداية ينعها ماتت ... ربما تغافلتُ عنها قليلاً .. لكن تبقى تلكَ مشيئة الله ... فأخذ مني الحزن مأخذاً شديداً ... لذا كنتُ أبكي وردتي الصغيرة في حُلّي وترحالي ... وكثيراً ما تتردد كلماتها البسيطة والبريئة في أذني ... وأسمع خُطى أقدامِها الصغيرة ... أرى حركاتها ... بسماتها ... حتى باتَ الحزن يقتاتُ مني بل تمنيتُ أن أموت وأدفنُ عند قدميها ...
- لا تبكي يا بابا ... أنا وردتك ... أنا مجدك ....
- نعم حبيبة منحني الله عِوضاً عنها وعن صبري وألمي وردة أخرى ... فهل أخونُ أمانة الله وهديته التي منحني إياها؟
- لا يا بابا ... بل ترعاها وتحميها ...
- أحسنتِ حبيبة وهذا ما أفعله ... أنا أحبُ أن تمرحي وأن تشاركي في كل الاحتفاليات .. لكنكِ تعلمين الوضع كيف هو الآن ... البلد اصبحَ غيرَ آمنٍ والموتُ يتربصُ بنا في كلّ زاوية ومكان ... فهل نذهبُ اليهِ بأقدامنا؟ ... الله سبحانه وتعالى يقول:"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"... لذا فأنا ما منعتكِ يا غالية إلآ لأنني أحبُ لك الحياة ... وما الحياة دونكِ يا مجد؟
- وانا أيضا يا بابا أحبُ الحياة ...أتعرف لما؟
- لا ... لما حبيبتي؟
- لأنكَ فيها يا بابا ... نعم أحبُ الحياة لأنك أنت بابا ...
إرتمت مجدُ بأحضان أبيها .. فضمها إلى صدره بعنفٍ وكأنه يحميها ... دمعت عيناها وشفتاه تتمتمان :" الحمد الله انني لحقتها قبل النوم ... فأنا أكره أن تنام آنســـــــــــــاتي وهن غاضبات مني".